المقريزي

585

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

حيث كانوا أولا وركبوا البحر بخليج طنجة وغلبوا القوط والجلالقة والبشكنس وملكوا جزيرة الأندلس وخرجوا من ثناياها ودروبها إلى بسائط هؤلاء الفرنج ، فدوخوها وعاثوا فيها ، ولم تزل الصّوائف تتردّد فيها صدر أيام بني أمية بالأندلس . وكانت الأغالبة ولاة إفريقية يوالون غزوهم أيضا حتى غلبوهم على الجزائر البحرية ونازلوهم في بسائط عدوتهم ، فلم تزل نفوسهم ممتلئة حنقا على المسلمين حتى ضعفت مملكة الرّوم بالقسطنطينة ورومة واستفحل ملك الفرنج هؤلاء ، فملكوا من الجزائر مثل دانية وسردانية وميورقة وصقلّية وملأت أساطيلهم فضاء البحر ، وخرجوا على المسلمين في سنة ثمان وسبعين وأربع مائة ، فملكوا مدينة طليطلة وغيرها من بلاد الأندلس ، ثم ملكوا جزيرة صقلّية في سنة أربع وثمانين وأربع مائة . هذا وقد وهت الخلافة العبّاسية ببغداد ، فزحفوا إلى البلاد الشّامية في سنة تسعين وأربع مائة ، وملكوا أنطاكية وكان ملكهم إذ ذاك بردويل وصنجيل وكندفري والقمص صاحب الرّها وبيمند ، وامتدّ ملكهم إلى بلبيس إلا قليلا مما بين ذلك ، وأخذوا القدس في سنة اثنين وتسعين وأربع مائة ، وبنوا به كنيسة عظيمة بدل المسجد ، وزحفوا إلى القاهرة وحصروها إلى أن أدال اللّه منهم وأعاد بيت المقدس وجميع بلاد السّواحل إلى المسلمين . وكانوا عندما أخذت منهم القدس قد جمعوا ونازلوا دمياط في أيام الكامل محمد ابن العادل أبي بكر بن أيوب ، ثم في أيام ابنه الصّالح نجم الدين أيوب ، ومضوا إلى إفريقية بعد نوبة دمياط ، فهلك طاغيتهم الفرنسيس ريدافرنس « 1 » على قرطاجنة ، فضعف أمرهم واختلّ مركز دولتهم بإفرنسة ، وافترقوا طوائف ، وصار ملكهم عمالات واستبدّ

--> ( 1 ) تحريف دوادي فرانس أي : ملك فرنسا .